لأننا ثرنا بوجه جلادينا

في أبجديات الاستبداد التي عرفتها البشرية كانت تُرى بوضوح حالة العنجهية التي يتمتع بها مُستبد من المستبدين، ويُحاول العالم مجتمعاً أن يزيّنها أو يظهرها بصورة خالية من القبح والوحشيّة، ولعلّهم في بعض الأحيان بحثوا عن الأعذار والمبررات التي أجبرت الظّالم على ظلمه ولكن لا يطول الأمر كثيرا حتى تظهر الأمور على حقائقها وتوضع الحروف في أماكنها ويطوي التّاريخ صفحة على حُقبة تدرّس للأجيال مفادها أن نهاية الظّالم لا بدّ أن تكون عبرة يرتدع بها كلّ من سولت له نفسه الاعتداء على شعبه وعلى بلد يعيش فيها أناس يستحقون الحياة.


وأما في السّيناريو السّوري فكلّ شيء بات مختلفاً ولم تعد المصطلحات والأعراف التي سارت عليها البشرية قابلة للتطبيق، بل وربما زاد الأمر حتى وصل الحال إلى حاجة ملحة للغة جديدة منزوعة من رحم الجحيم ومشتقة من مفردات الألم والعذاب لتكون قادرة على التعبير عن أحداث تقع بشكل يومي يراها العالم بأكمله ويستمع إليها من غير أن يحرك ساكنا.


كلما زادت بشاعة الجرائم كلما زاد السّفاح شبقاً ورغبة للقتل وكلما أُعجب العالم بمقدرته على الاستمرار


أية جريمة في الوجود تُلزم صاحبها عقابا كالعقاب الذي نزل بالشعب السوري كالقدر المحتوم فكلما زادت بشاعة الجرائم كلما زاد السّفاح شبقاً ورغبة للقتل وكلما أُعجب العالم بمقدرته على الاستمرار، وكأننا في سوريا نعيش أحداث لأكثر الأفلام رعبًا ودموية في الخيال البشري، فعلى الرغم مما يتملك المشاهد من رعب وخوف يجد ما يشدّه ليتابع حتى النهاية، أيعقل أن في العقل البشري ما يمكن أن يدفعه ليعيش على عذابات أناس لا ذنب لهم إلا أنهم ثاروا على جلاد أذل رقابهم لأعوام طويلة.

 

لا زلت أعيش الواقع السّوري على ضفاف الخيال الذي يدفعني لعدم تصديق ما يحصل حولي، ومع كل مشهد من مشاهد الموت اليومية التي نطالعها في سوريا، أكاد أجزم أن ما يحصل ليس إلا منتجا إعلاميا تسوقه الشبكة العنكبوتية التي بات أصحابها يملكون القدرة على صناعة ما لم يصل حتى الخيال إليه.

 

لكن كيف لا أصدق ومن يموت أهلي وأصحابي وأبناء بلدي أناس أعرفهم وأحفظ أفكارهم وأتجرع آلامهم وأعيش على بقيّة من أفراحهم التي لم أعد أذكر جيداً إن كانت حقيقة أم لم يكن لها وجود في يوم من الأيام.


لا زلت متيقناً أن النّصر لن يكون حليفاً لظالم في يوم من الأيام لكن ماذا يفيدنا أن ننتصر ولم تبقى جريمة في الأرض إلا مورست بحقنا؟ وماذا يحقق لنا النصر إن ملأت أشلاؤنا أصقاع الأرض شرقاً وغرباً وجُرّبت فينا كلّ طقوس الموت والقتل والظلم والاضطهاد، هل سيكون بوسع النصر في يوم ما أن يُضمد جرحا فاق مساحة الأحزان في جسد البشرية المهترئ وفي وجدانها المغتصب وفي ضميرها الذي بالت عليه كلاب الأرض.

ليس الإنسان وحده من يقتل في سوريا بل يقتل التاريخ وتقتل الحضارة ويقتل الضمير وتقتل البشرية مجتمعة، ومع نهاية كل جريمة يكون علينا مجبرين أمام فظاعتها أن نتهم أنفسنا وأن نلوم بعضنا وأن نبحث عن خطأ ارتكبناه واستحقينا به ما يحل بنا وإذا ما بحثنا فلا نجد إلا سببا واحدا لنقتل من أجله هو أننا ثرنا.