فقه المرحلة

يستهويني أولئك الذين ألمحُ في بياض عيونِهم جُلّ المفاهيم المفقودة، أو بالأحرى المفاهيم التي تساهلنا نحن في فقدها، أولئك الذين يبرعون في تفهّم فقه المرحلة! يُدرِكون أين الآفة ومن أين نبدأ!

رأيتُ إحداهنّ ذات مرة وقد انزوت إلى ركنٍ أراها دائمًا فيه، اقتربتُ من مجلسها بلَهفٍ اعتراني من لهفتها هذه.. ثُمّ سمعتُها تدعو على استحياء “يا ربّنا.. يا ذا البصيرة التي ترى دواخلنا وما أصابها.. بارك يا ربّ في العاملين.. أيقظِ اللهمّ الغافلين.. لكن يا رب.. يا رب حنانيك لا تستبدلنا”.

أذهبتني كلماتُها هذه إلى ركنٍ في عمقِ قلبي كنت قد هجرته على عجل.. أو حقاً نحن لا نخشى لحظة الاستبدال؟ أيُّ ضامنٍ هذا الذي استقرّ في مكمن القلوب فجعلها تطمئنّ إلى حدّ النسيان؟ الاطمئنان الذي دفع بالبعض إلى التراخي المُعلّل حتى أنّي رأيت بعضهم مخاطبًا ذاته في أيام الدراسة وهو يحسب حساباتٍ دُنيوية خالصة!

يقول لنفسه: الجهد الذي بذلته هذا العام يُضاف إليه انشغالي بأحوال الأمّة والعمل لها وانهماك تفكيري فيها ونواياي التي عملت لأجلها وتفوق نوايا الجميع، ووقت فراغي الذي لم يكن به متسّعٌ كباقي زملائي.. إذن لن يسبقني إلى المركز الأول أحد!

يقول لنفسه: الجهد الذي بذلته هذا العام يُضاف إليه انشغالي بأحوال الأمّة والعمل لها وانهماك تفكيري فيها ونواياي التي عملت لأجلها وتفوق نوايا الجميع، ووقت فراغي الذي لم يكن به متسّعٌ كباقي زملائي.. إذن لن يسبقني إلى المركز الأول أحد!

‎يا هذا؛ أتَمُنّ على الله أن اختارك لهذا الطريق؟ ولو شاء لسلبك قلبك هذا بكلّ ما فيه! وسلبك أجرك! يا هذا لا تمنّ على الله كونك صاحب قضية.. الله حينما اختارك لهذا اصطفاك لكي تضاعف الجهد وتدخل في مزمار السباق مُجرّداً، لا تحمل إلا همّ من أحسن عملا.

أفقتُ من شرود ذهني في هذه المواقف ووجدتُها تربت على كتفي، وتخبرني أنّه لا يجوز لإدراك العِلّة أن يسحب منّا اليقين، أو حتى يرتشف منه رشفةً واحدة! جال بخاطري حينها أبي الذي لاقى ما لاقى من المعاناة.. ثمّ أجده لا يكفّ عن عادته في ترتيل “وكان حقّا علينا نصرُ المؤمنين”.

في كل مرة يصعد فيها سلّم البيت.. أو أنّه أيضًا لا يكُفّ عن وضع تكبيرات العيد كنغمةٍ لهاتفه في غير أيام العيد، ويكأنّه يخبرنا أنّه ثمّة عيد في زاوية كلّ يوم ينتظرنا أن نجدّد معه العهد!

أدركتُ حينها أنّنا نفعل يوميًا دون درايةٍ منّا كما فعل من أماته الله مائةَ عامٍ ثم بعثه حينما شكّ في قدرة الله على الإحياء.. نفعلها نحن كذلك حين يتخللنا الشك بأن كيف يُحيي الله هذه الأُمّة بعد نكبتها!

والله الذي أتنفّس بفضله كلّ لحظة لهو قادرٌ عليها وعلى سواها.. علينا فقط ألا نفعل كباسطِ كفّيه إلى الماء ليبلغ فاهُ وما هو ببالغه، وأن نُرجِع الآفة إلى مردودها الصحيح.. وأن نمزج إدراك السوء باليقين الصلب.. ثمّ نمضي عاملين لا مُبدّلين ولا منقوصي عقيدة.. ثُمّ الله أكبر.