شريك في قتل وطن

لم أعد متأكداً إن كنت في حالتي الطبيعية أم أنني خرجت عن السيطرة، كنت أحاول أن أسترجع المواقف المؤلمة التي مرت بي منذ ستة أعوام، لكنني عجزت عن أي شيء منها، حاولت جاهداً أن أركز تفكيري، يجب أن أتألم قليلا! أيعقل أنني عشت الأعوام الخمسة الأخيرة في سورية ولم أعد قادراً على استرجاع موقف واحد يشعرني بالحزن والأسى.

كنت أحاول أن أفسر كل الأحداث التي طالعتها منذ الصباح، لكنني لم أتمكن من معرفة ما يحصل، لم يعنِ لي شيئاً خبر سقوط ريفي حماة وإدلب، ولا نزوح آلاف المدنيين في هذا البرد القارس، ولا استهداف العشرات من الأبرياء بالسلاح الكيماوي، ولا حصار الغوطة وحرقها على مسمع من العالم، فكرت أنني الآن سأصبح إنسانا مميزاً، لماذا عليّ أن أحمل أوجاع الناس وآلامهم؟

لماذا يفترض بي أن أعرف كل تفاصيل الألم والعذاب الممتدة من صنعاء إلى بنغازي؟ ولماذا عليّ أن أطالع صور الأطفال وهم قتلى وأذرف الدموع عليهم إن كنت أنا الآن خارج دائرة الحدث وفي مكان أشعر فيه بالأمن والأمان؟ لماذا يُطلب مني أن أدعو والدمع ملأ عيوني والألم يعتصر قلبي؟ ألا أستحق أن أحيا بعيدا عن استغاثات الأطفال وبكاء الثكالى ونواح الأيامى وأنين الجرحى.

راودتني هذه المشاهد دفعة واحدة وأنا ملق على الأعشاب في ظل شجرة نخيل في إحدى الحدائق المنزوية على الطريق المؤدية إلى خارج إحدى المدن التركية، وكنت كلما تغلّبتُ على الحالة التي أنا فيها أتذكر جيداً أن البطولة والثّبات ليس بالضرورة أن يتكللا بالنّصر في كلّ الحالات، ربما كنت أواسي نفسي لا أكثر ولا أقل، ولكنني في الحقيقة كنتُ أحفظُ التّفاصيل كلّها التي مررّت بها ومرّت بي.

ربما أن تفقد بلداً بأكمله لا يعني أن تفقد معركتك المستمرة إلى مالا نهاية، ولكن لعلك لو خسرت جزء من بلد فربما كتبت في قائمة الخاسرين ليس لشيء، وإنما طبيعة الوجود حتّمت علينا كل ذلك، فربما موت شخص واحد يعادل موت البشرية بأسرها.

ربما أن تفقد بلداً بأكمله لا يعني أن تفقد معركتك المستمرة إلى مالا نهاية، ولكن لعلك لو خسرت جزء من بلد فربما كتبت في قائمة الخاسرين ليس لشيء، وإنما طبيعة الوجود حتّمت علينا كل ذلك، فربما موت شخص واحد يعادل موت البشرية بأسرها.

كنت شاهداً على جرائم كثيرة تحصل في بلدٍ لا يبعد عنا إلا بمقدار بعد الولد الوحيد عن قلب أمه التي فجعها الفراق وأذابها الشّوق، ولكنني بالرغم من ذلك كنت أصم سمعي عن استغاثات النّساء اللواتي يغتصبن وعن بكاء الأطفال الذين دفنوا أحياءَ تحت الرّكام، وعن أنين الجرحى الذين زرعوا في شوارع المدينة المغتصبة لأنهم لم يجدوا من يسعفهم أو يوقف المذبحة التي فُرضت بحقهم، أيُّ قدرٍ هذا وأيُّ بلدٍ هذا وأيُّ دينٍ هذا.

أنا نفسي كنت أخطب في جموعِ المتظاهرين وأقول لهم إننا بلدٌ واحدٌ، وأن ربنا واحد ولغتنا واحدة ومصيرنا واحد! أنا نفسي كنت أتكلم عن كل الفضائل التي لا سبيل لنا بالخلاص إلا بها وإذا ما أنهيت الخطاب اقترفت كل الكبائر دفعة واحدة.

أنا نفسي الذي تكلمت عن خدمة الشّعب ونصرة المظلومين، نسفّتُ كلّ ما يحصل في هدنةٍ واحدة وربما كنت أعلم أن مصيري ذات المصير الذي ينتظره كل الأشخاص الذين ساومت عليهم، لكنني كنت أواسي نفسي للمرة المليون وأتأسى بكل العالم، فلطالما أنني ضحية تشارك الجميع عليها فلماذا لا أفتدي نفسي بكل من حولي.

كنتُ شاهداً بنفسي على ما يحصل في بلادي من درعا إلى حلب ومن القامشلي إلى اللاذقية، وكنتُ أخطب كلّ يومٍ ألفَ مرّة بالجنود الذين نسوا السبب الذي صاروا به جنوداً، كنتُ أحدّثهم عن إقامة الحدود، وقطع يدّ السارق وجلد الزّاني وصلب قاطع الطريق في نفس الوقت الذي كانت تُصلبُ فيه عشرات المدن السّورية وتُسحق وتستباح وتنتهك وتصرخ أنقذوني.. أنقذوني، والكل يتنكر للمأساة ويصم السمع عنها ويصغي إلى الكلمات التي أتلفظ بها فقط حتى لا تضيع كلمة واحدة منها.

كنتُ أسأل نفسي في كل مرة من أين حفظت كل هذه العبارات وما الذي تعنيه كل تلك الجمل، لكننّي ما كنت أملك الوقت الكافي لأتميّز حقيقة ما أقول فأنا لم أكن عالماً من قبل، بل وكان الدين في بلدي تهمة يقتل الناس ويصلبون عليها.

إياكم أن تشتموني أو تتهموني أو تتنكروا لي أنا واحد منكم بل أنا نسخة طبق الأصل عنكم كلكم، تجتمع في صوتي نبراتكم جميعاً وفي عيوني يُرى كلّ ما في عيونكم، وفي رأسي تعشعشون جميعاً لن تعرفوني عندما أكون حكيما في تقييم مواقف الأخرين وعندما أكون مثالا للوطنية والرحمة ستعرفونني جيداً عندما يتعلق الأمر بي وقتها ستدركون أني أنتم وأنتم أنا.

لا تحملوني ثمن جهلكم وحماقاتكم لا تلوموني أو تلوموا من استخدمني في قتلكم وتشريدكم، فعندما أملك الوقت الكافي لأترجم الخطابات التي كنت أتلوها عليكم لأدفنكم بها ثم أدفن نفسي وبلدي كنتم تصفقون وتطبلون.

أنا وأنتم شركاء في كل الجرائم التي كنا قادرين على أن نمنع وقوعها، نحن من شمتنا بأنفسنا واستهنا بعظمتنا، نحن من زهدنا بتضحياتنا التي عجز العالم كله عنها نحن الذين استصغرنا أمر بعضنا، نحن الذين فعلنا وفعلنا وفعلنا.
والآن عندما أرى العلم الذي كفنا به أحزاننا واسترجع الهتافات التي انطلق بها مشوارنا، الآن عندما أسمع عويل النساء والأطفال يحرقون فيما بقي من وطننا أتذكركم جميعا وأتذكر أني كنت شريكا في قتل وطن.

الكلمات الدليلية