التوسع الإيراني وتبعاته على الاقتصاد المحلي

التراكم في منطق التاريخ سيؤدي حتما للتغيير، وما تشهده المحافظات الإيرانية من انتفاضة شعبية بسبب الوضع الاقتصادي أحد أسباب التراكمات التي تسببت بها الثورة الإسلامية والمستفيدين منها. “خديموني “(مصطلح إيراني يوصف المواليين لصناع القرار في إيران).

الإحصائيات تقول إن نسبة القابعين تحت خط الفقر بين 40% حتى 45% وهي نسبة كبيرة جداً في دولة تحتل المركز الثاني في العالم من حيث احتياطيات الغاز الطبيعي والمركز الرابع في احتياطيات النفط الخام المثبتة.

 

ومازال النشاط الاقتصادي وإيرادات الحكومة يعتمدان إلى حد كبير على العائدات النفطية، والاعتماد على النفط يعتبر مقتل لاقتصاد دولة تعداد سكانها ما يقارب الثمانين مليوناً.

وتواجه المصارف الإيرانية تحديات تتمثل في تأخر إقامة علاقة عمل مصرفية بالمراسلة مع بنوك دولية كبيرة، مما سيؤدي بدوره إلى تقييد تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى إيران وعلاقاتها التجارية مع بقية دول العالم.

حاول الرئيس روحاني إيجاد مصادر أخرى وجعل نسبة النفط في موازنته 35% ولكن المحافظون لم يرق لهم الأمر. وبالذات الحرس الثوري الذين يستثمرون في قطاعات عدة في البلاد بما يقارب العشرين مليار دولار معفيين من ضرائبها مقابل تأييدهم للاتفاق النووي مع أوباما إبان حكمه.

وكذلك رجال الدين، يعيشون حياة رغيدة تضاهي حياة أساتذة الجامعات بسبب المصالح المتبادلة مع السلطة الخمنائية. أي الفساد ينخر في جسم السلطة الدينية الإيرانية والذي ينعكس سلباً على الشباب الذين تقارب نسبتهم الـ 40%، وهنا تجدر الإشارة إلى أن المجتمع الإيراني فتي، بسبب نسبة الشباب المرتفعة والتي تصل لما يقارب نصف المجتمع.

 

وهذه الفئة دائما ما تطمح لمواكبة العصر وهذا ما يجعل المهمة صعبة أمام السلطة الدينية في طهران، وفي العقدين الأخيرين شكّل الشباب ما بين ستة وأربعين في المئة وخمسين في المئة من المهاجرين من إيران، معظمهم هاجر طلباً للعلم والعمل.

 

أما بالنسبة للشباب الذين يعيشون في إيران، فإن واحدا وسبعين في المئة منهم يسكنون المدن وأبرزها العاصمة طهران. وهذا ما يشكل عبئاً إضافياً على السلطات، حيث تقدر نسبة البطالة في البلاد بـ 12.5 حسب الإحصائيات الرسمية، أما ما يقدره المحللون الاقتصاديون فالنسبة تتجاوز الـ 20%..

روحاني يعلم بأن الاحتجاجات محقة ولكنه محكوم من حرس ثوري وسلطة دينية تمنعه من التعامل مع مطالب الشعب بواقعية، وهذا ما أدى لتراكم المطالب الشعبية المحقة، وما ينذر بالخطر أزمة المياه التي قد تودي بالبلاد نحو الهاوية بعد أن كان القطاع الزراعي والصناعي يحقق الاكتفاء الذاتي وزيادة في الناتج المحلي، وبالذات الزراعة التي وصل الناتج الوطني ما نسبته الـ 25%..

من الواضح بأن النظام الايراني يسعى جاهداً للحاق بالتنمية التي تحصل في محيطه الإقليمي العربي (الخليجي) والتركي ومواكبة العصر عبر الانفتاح على الصناعات الحديثة والتكنولوجيا المعاصرة، ولكن هذا لا يكفي إن لم يكن في الأفق انفراجاً سياسياً يفصل الدين عن الدولة. ويحقق العدالة الاجتماعية في توزع الدخل والثروات المحلية.
حيث تقدر خسائر إيران نتيجة تورطها في الصراعات الإقليمية والدولية ما يقارب الثلاثة تريليونات دولار منذ قيام نظام الملالي عام 1979.

إذ أنها تدفع 300 مليون دولار سنويا لحزب الله وقد وفرت مبالغ كبيرة جداً تقدر بخمس مليارات دولار للحزب في سبيل إطلاق مشاريع ربحية.

وحسب مركز فارس للدراسات الشرق أوسطية: 15 مليار دولار سنويا تدفعها إيران لنظام الأسد لتغطية تكلفة الحرب وتمويل دفع رواتب فصائل سورية عسكرية تقاتل مع النظام السوري.

لم يعد من الممكن السكوت على الخسائر التي تمنى بها إيران في سبيل مشروعها التوسعي وتدخلها في شؤون المنطقة على حساب معاناة الشعب الإيراني الذي ضاق الأمرين خلال الأربعين عاماً الماضية من حكم الملالي، عدا عن عدد القتلى والمصابين الذي يقتلون بالعشرات يومياً في سوريا.

وبما أن إيران لا تصنع حدثًاً إنما تستفيد من الأحداث وتتحرك في المحور الذي يمكنها من التوسع فيه، وهو اللعب على الوتر الطائفي والعقائدي للشعوب فإن ثورات الربيع العربي كانت الضربة القاضية للاقتصاد الإيراني الذي استثمرت به في سبيل مخططها التوسعي.

والتي تعتبر خاسرة حتى الأن، بسبب دخول قوى دولية في الحرب الدائرة في سوريا وتحالف عربي في اليمن وخسارتها الرهان في الملف النووي، والذي قد يكون الضربة القاضية في حال تبعه إجراءات اقتصادية صارمة من الدول المناهضة لسياستها التوسعية وأحلامها النووية في المنطقة الشرق أوسطية.