رحلة بدأت مراهق.. وانتهت بموته متظاهر

في 18 أيلون من عام 2010 م، بدأ العام الدراسي في الصف التاسع وهو محاطاً من جميع أفراد أسرته الذين لا زالوا يحاولون بشتى الطرق والوسائل لإكمال تحصيله العلمي كان لا يدري ما هو العلم، وماهي المكانة التي ينالها في مجتمع يقدس المتعلم فيه عن باقي الناس.

 

كان يذهب إلى مدرسته الإعدادية لكي يدرس الصف التاسع الأساسي، الذي أصبح هدفاً للانتقال إلى الثانوية العامة وكان الدليل المتعارف عليه أن الذي يدخل صفوف الثانوية يجب أن يحصل على معدل يتوجه بالثانوية، كثف جهده بعد العديد من محاولات أهله وحثهم الدوري والمتكرر به على أن العلم هو أفضل شيء.

ذات صباح خرج وهو بكامل استعداده لينطلق إلى مدرسته التي تبعد عن المنزل الذي يسكنه 200 متر، وطبعا قبل الخروج كانت الاستعدادات بغسل الوجه ثم الفطور ثم نصف ساعة في مواجهة المرآة التي ما زال ينظر بها كلما أراد أن يخرج من منزله، ابتدأ صباحه بالأستاذ الذي يدعى بـ “الموجه” كان ينتظر خلف باب المدرسة يمسك بذوائب الطالب ثم يرفعه للأعلى عدة مرات وكأنه ينتف دجاجا بصفة في مدجنة طيور.

لم تكن المشكلة هنا فقط أخذ نصيبه من الموجه الأول لكن في الباحة ما بين الصفوف كان الموجه الثاني ينتظره ليعطيه عدة “خراطيم” أنبوب المياه، على يداه الطريتين، وكان يلهث وينفخ في يداه المتجمدتين اللتان اذاقتا لسعتي من الخرطوم المبجل، تأتيه طيارة على رقبته مع القدم الأولى التي توضع داخل القاعة.

 

كانت تلك الحادثة تحصل في الأسبوع مرة أو مرتين على الأقل، سرعان ما انتهى الفصل الأول وقال معروف: “بدأ امتحاني علي التحضير من الأن لكي أعيد ما درسته قبل شهر من بدء الامتحان”، فعل ما قال، قام بمد غرفة صغيرة لا تهم عائلته وليست تحت الاستخدام فرشها وهو ينظر إلى بعض ترسبات المياه والرطوبة التي تكاد أن تخنقها وتخنقه أيضا، وكان من التحضيرات استعداد رسمي من شاي ومتة وقهوة وغاز صغير يغلي عليه ما يحتاج ومدفئة كهربائية من ثلاث شمعات، يمكنها تدفئة الغرفة بشكل نسبي.

في صباح اليوم التالي لم ينم أبداً كما استعد معروف بعد أن أخذ مصروفه اليومي، واتجه إلى مدرسته لكن قبل الدوام بنصف ساعة، جاء المستخدم ينفض ثيابه ويقول له: “جاية قبل الشحادة وبنتا” يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم، دخل إلى صفه بكل احترام ولكن في خروجه ذهب الى الساعاتي في رأس الحارة ليأتي بساعة ترن بجرس كي تيقظه في اليوم التالي ليحضر ويدرس للامتحان.

وفي اليوم ذاته جهز نفسه للنوم ولكنه لا يدري أنه لن يستيقظ في صباح اليوم التالي، على الساعة التي أعدها لإيقاظه… في اليوم التالي دقت أجراس الساعة المحملة بالنعاس تقول: “قم يا معروف فالديك صعد على ظهر الخروف”، ولكن معروف لا يحرك ساكناً دامت دقاتها أكثر من ربع ساعة لكن معروف قابلها بضربة جعلها ثلاثة قطع متناثرة في الغرفة.

 

تأخر معروف عن دوامه في المدرسة حين استيقظ رأى ساعته متحطمة والوقت متأخر، حطم أرقاماً قياسية في استعداده للذهاب إلى المدرسة حيث أخذت منه 5 دقائق تمكن فيها من الوصول إلى المدرسة، رأى عدد من الناس مجتمعين ينظرون إليه عند باب المدرسة كانوا بعضا من الطلبة المتأخرين وثلاثة من الموجهين توجهوا نحوه من هنا كلمة من هنا عصاة لا يدري من يكلم.

 

قضى ساعات الدوام وذهب الى المنزل قال لوالدته التي كانت تقلي البطاطا: “يا أمي إنني لا أستيقظ أبداً رغم أنني اشتريت منبها ليوقظني لكنني جعلته فتاتاً”، قالت الوالدة: “نعم رأيته أيقظتك عدة مرات ولكنك لم ترد علي أبداً”. انبهر معروف من حالة النوم التي أصبحت بينه وبين مستقبله.

 

في مطلع 2011 أصبح معروف يحضر لامتحانه اقتربت الأخرة كما قالت له والدته “بكرا بذوب الثلج وبيبان المرج”، وبعد مضي شهرين من العام نفسه سمع معروف عن أطفال كانوا يكتبون على الجدران في محافظة درعا وقوبلوا بالتعذيب والسجن حيث انتفضت مظاهرات منددة للفعل الذي قامت به قوات النظام.

 

وذات صباح كالعادة ذهب متأخراً إلى مدرسته والبرنامج اليومي له في تلك المدرسة بانتظاره، وفي خروجه من المدرسة كانت مظاهرة تقرع طبولها وأصوات رجال وأطفال ينادون ويهتفون “يا درعا حنا معاك للموت”، وقبل قليل كان أحد المدرسين يمتدح النظام وحزبه البعثي لكنه وقف متفرجا ثم أصبح في صفوف المتظاهرين يهتف وينادي تعالت الأصوات وانفجرت بداخله الحمية، وأصبح أحد المنسقين للمظاهرات، كان عمله اخبار الناس أن المظاهرة في بيوم كذا، في الساعة.

نسق معروف العديد من المظاهرات برفقة أصدقائه شاهر وسليم، اللذان يكبرانه بالعمر 5 سنوات، استمر على هذا الحال، وفي يوم الجمعة وبالتحديد بعد صلاته خرج معروف للمظاهرة كما هي العادة التي أصبحت، وقام بعدة إرشادات للمتظاهرين أن اثبتوا على كلمة واحدة في الشعارات فنحن نريد الإصلاح فقط في أنظمة الدولة الفاسدة.

أيده الناس، وبدأت الهتافات تعتلوا وتصدح في الساحة المخصصة للمظاهرة وتجوب الطرقات والأزقة، كانت السماء غائمة والشتاء قد تربص وأحلك على السوريين أيامهم، بأفعال الأسد وزبانيته، لكنه لم يرى سوى زخات المطر تبلل شعرهم وتغرق رؤوسهم الباردة، وهذا هو أحد شفير البلدية يقتحم المظاهرة برشاشه المائي ليفرقهم، وخلفه 100 عنصر من قوات حفظ النظام، أصبحوا يطلقون رصاص مطاطي، وغاز مسيل للدموع، إضافة إلى الهروانات التي ضربت معروف ورمته مغمى بالأرض.

 

تفرقت المظاهرة ووقع عدد من الجرحى وتفقد المنسقون بعضهم من موجود ومن لم يوجد، إلا أن عشرة أشخاص من المتظاهرين قامت قوات حفظ النظام باعتقالهم، بعد أن ضربت بعضهم بهروانات الجند، وقنابلهم المسيلة للدموع، وكان من بينهم معروف الذي لم يبقى أحد إلا وعرف شخصيته الطيبة اللطيفة، وتعامله الجميل مع أبناء حيه.

نظر شاهر إلى سليم وقال: “أين يكون معروف الآن وما حاله؟ لا يستطيع إغماض عينيه معروف ولا مد قدميه، وبعدها أخذ جلسة الدولاب والتحقيق قائم على أشده يكثر الصياح والعويل، الذي ألحق به بعد أن تفسخ جسده من “الكرباج” في اليوم الأول له لم يعترف ولم يكن يعلم أنه في المخابرات الجوية، اشتد الصياح والسجان يأخذ الواحد تلو الآخر الأول الدماء تصل إلى إصبع قدمه الصغرى والآخر يفرك عينيه بعد أن أغرقه السجان بالماء ويرتعش جسده.

ذهبوا مع السجان إلى قسم التحقيق، من اعترف خف تعذيبه والويل لمن لم يعترف إلى الآن، بعد استمرار الحال لعشرة أيام، ودوام السجان اليومي على حضرة معروف وبعض من المتظاهرين، صلب معروف خمسة أيام والتعذيب يملأ جسده المتفسخ المكوي بضربات كبل الكهرباء، لم يكمل الشهر معروف ولم يعترف، لكنه وجد مرمياً في صباح ربيعي على طريق بلدته الرئيسي.

كم من معروف مات ولم يعرف ماذا حل به، الأفرع الأمنية التابعة لقوات النظام تعج بالمعتقلين، والعشرات منهم ربما ماتوا وربما إلى الآن يواصل دوامه السجان عليهم، حملوا صديقهم ودفنوه دون أن يعلموا أحد، وقال سليم: إن عرف أحد بالأمر وأخبرت الشرطة فالوداع على حياتي وحياتك يا شاهر. لم يكذبه شاهر دفنا صديقهما الذي لم يبلغ الخامسة عشر، في مقبرة الحي، دون علم أهله.